وصوم رمضان

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 5:38 pm

صورة

بسم الله الرحمن الرحيم

أحكام طبية في رمضان
د.ضياء الدين الجماس
طبيب سعودى اختصاصى باطنية ومؤلف وشاعر ومبرمج

هذه الأحكام نشرت في كتابي المرشد الفقهي في الطب. وسيتم نشرها هنا بالتدريج:




مقدمة:

هناك عدد هائل من المرضى الذين يبتغون تحصيل فضيلة الصوم في رمضان على ألاَّ يتضرروا منه . وهم يحبون أن يعرفوا حكم حالتهم الطبية أو الفحوص التي يطلبها الطبيب لهم في رمضان . وهذا بحث مهم يجب أن يُلِمَّ به الطبيب والمريض معاً .
ولما كانت الإجراءات الطبية من فحوص ومداواة تتوافق مع هدف الصوم في تحصيل الصحة النفسية والجسدية لابد من دراستها جيداً والأخذ بما هو أيسر للمريض من الناحية الشرعية وتوقيت إجراء الفحص المناسب بالطريق المناسب بحيث يحافظ المؤمن على صيامه في رمضان قدر الإمكان لما في ذلك من أجر عظيم يفوق أجر الصوم فيما سواه من الأيام .
وشرعنا الحنيف - والحمد لله - نابع من دين اليسر ، دين العالمين إلى يوم الدين . روت عائشة رضي الله عنها تصف النبي  بقولها :
" ما خُـيِّرَ رسول الله  بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً " (1) .
وليس المقصود من انتقاء الحكم الأيسر للمريض هو مجرد البحث عن اليسر ، بل أن يكون هذا الأيسر ذا فائدة مزدوجة تحقق الهدف الشرعي والطبي معاً (2) .ولو تأملنا مذاهب الفقهاء في أحكامهم نجد أنهم قد تساهلوا فيها طالما أن المسلم لا يقصد العبث في تصرفاته ولا هتك حرمة شهر رمضان (3).

ولذلك لابد من بناء الأحكام أو ترجيح بعضها على بعض لتناسب الحالات المرضية المختلفة وفق الأسس الشرعية من جهة ، والمُسَلَّمات التشريحية والثوابت الفيسيولوجية التي خُلق عليها الإنسان من جهة أخرى لنكون واقعين دائماً ضمن مجال الشرع لا نخرج عنه قيد أنملة ، ونستفيد في الوقت ذاته من التقنيات الطبية الحديثة فنجعل المريض يكسب صحته في رمضان بالفحص والمعالجة الصحيحة دون أنْ يُـفَرِّط بصيام أي يوم منه قدر الإمكان .
والله المستعان في حسن البيان :

الفحوص السريرية :

يقوم الطبيب أثناء الفحص السريري بجس المريض وإجراء المس الشرجي أو المهبلي أو كليهما (حسب ما يتطلبه كشف المرض ) ، وقد يستخدم أدوات إضافية لإتمام الفحص السريري كمنظار المعدة ومنظار القصبات (والمستقيم والمهبل وغير ذلك) ..
فما حكم هذه التصرفات في رمضان ؟
1 - الجس :
قد يثير جس المريض من الجنس المخالف شهوة ( عند الطبيب أو المريض أو كليهما ) ، وقد علمنا حكم ذلك بالنسبة للوضوء ، فما حكم ذلك بالنسبة للصيام ؟ :
إذا وصلت الشهوة إلى درجة الإمذاء بطل الصوم ( عند المالكية ) ولا يبطل عند الجمهور . ولا كفارة بالاتفاق لعدم توفر نية الاستهتار وهتك حرمة الشهر .
2 - المس الشرجي (4) :
حُكْمُه : يُفَطِّر عند الشافعية لتحقق صفة الدخول إلى جوف . ولا يُفَطِّر عند الحنفية إذا أُدْخِل جافاً، قياساً على إدخال عود وإبقاء جزء منه في الخارج ( لا يسمى داخلاً إلاّ أن يغيب كله ) . فإذا أُدْخِل رطباً أو مدهوناً بدهن أفطر .ولا يُفَطِّر عند المالكية لأنَّ جميع الأجسام الصلبة إذا وصلت عن طريق سفلي إلى المعدة لا تُفَطِّر ، فإدخال الإصبع وإخراجه لا يفطر من باب أولى(5).
(يتبع)...
------------
1 - أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة ، وتتمته " فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله  لنفسه في شيء قط إلاّ أن تُنتَهَك حرمة الله فينتقم لله بها " .
ورد في كنز العمال ج7 - 18713 .
2 - فلا يخالف نصاً شرعياً بل هو ثابت في القرآن أو السنة أو ما ورد عن السلف الصالح رضي الله عنهم جميعاً . وقد يكون الحكم مرجوحاً في أحد المذاهب إلاّ أنَّ تطبيقه في هذا العصر هو الأنسب فيكون راجحاً بالنسبة للمريض .( وهذا ما رجحه الشيخ الشعراوي في فتاواه المعاصرة )
3 - لقد أعفى الجمهور مِنَ القضاء مَنْ أكل أو شرب ناسياً لأن نية الإفطار لم تكن موجودة ، والنسيان صفة ملازمة للنفس الإنسانية ، وعدم التساهل في ذلك يعني أن الشرع يريد معاكسة الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهذا محال لأنه مخالف لنصوص القرآن الكريم حيث جاء فيه : " ما جعل عليكم في الدين من حرج " وكذلك قوله : "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " . ولما كانت حكمة الصوم تتعلق بالامتناع عن شهوتي البطن والفرج ذهب الإمام مالك إلى وجوب القضاء على من أكل ناسياً لبطلان حكمة الصوم لكنه أسقط القضاء عنه . وللأخذ بالحكمين يمكن القول بأنه من أكل شيئاً لا يشبع أو يطفئ العطش فله الحكم الأول ، وأما من أشبع بطنه وروى ظمأه يجب عليه القضاء لجبر نقص صومه .. والله أعلم .
4- يتم بإدخال أصبع الطبيب لاستكشاف أمراض المستقيم من سليلات أو أورام أو بواسير داخلية وضخامة البروستاتة ( الموثة ) وأمراض المبيض أو الرحم وتقدير حجمهما ( عند العذارى خصوصاً ) . وهو فحص مهم جداً لا يستغني عنه أطباء الداخلية والهضمية وأمراض الجهاز البولي.
5 - هناك وجه مشابه للشافعية في مسألة إدخال قسمٍ من خيط وإبقاء قسم منه خارجاً . وسيأتي لاحقاً في فقرة حكم أنبوب المعدة .
__________________
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 5:42 pm

3 - المس المهبلي : لا يُفَطِّر (عند الحنابلة ) ولو كان الإصبع مبلولاً بالماء ، وللحنفية الحكم ذاته على ألاّ يَدْخُل للمهبل دهن .ولتحقيق الفائدة في المذهبيين يمكن للطبيب أن يستعمل مادة مزلقة مائية . ويُجيز المالكية المس المهبلي مهما كانت المادة المستعملة لأنَّ المهبل جوف مغلق لا يصل إلى المعدة . بينما يعتبر الشافعية المس المهبلي مفطراً ولو كان الإصبع جافاً .
4 - استعمال خافض اللسان : لا يُفَطِّر بالاتفاق .
5- تنظير الحَنْجَرة والبلعوم الأنفي (6):
لا يُفَطِّر عند الجمهور باستثناء الشافعية .لكن يجب أن يحذر الطبيب من إثارة منعكس القيء عند المريض . وعندئذ يمكن أن يفطر المريض إذا ابتَلَع من القيء شيئاً ، وعليه القضاء وإلاّ فلا .
6 - تنظير الأذن (7):
لا يفطر عند الجمهور ،و يفطر عند الشافعية وحدهم . وينطبق الحكم على إدخال أي جسم أجنبي إلى مجرى الأذن الظاهرة سواء كان بقصد الفحص أو العلاج كاستعمال راشف الأوساخ والسدادات الصملاخية ، وسيأتي حكم القطرات والمعالجات السائلة فيما بعد مع حكم العلاج .
7 - بزل السائل القَطَني :
لا يفطر لأنه عملية إخراج للسائل الدماغي الشوكي (8)، دون إدخال أي مادة مغذية أو دوائية ، والإبرة لا تدخل إلى جوف . وأما حقن المواد فسيأتي حكمه في بحث أحكام المعالجة .
8 - قياس ضغط العين :(9) لا ُيـفَطِّر بالاتفاق لأن المقياس معدني ولا يدخل إلى جوف . وتأخذ القطرة المخدرة التي تستخدم كتحضيرٍ للقياسِ حُكْمَ الاكتحال كما بينا ، وسنبين ذلك في حكم المعالجة .
9 - إدخال رأس الإبرة خلف مقلة العين :
يتم ذلك إما بقصد أخذ خزعة أو بزل سائل وأخذ عينة منه ، أو بقصد المعالجة بحقن الأدوية أو المادة المخدرة لتخدير العين والعصب العيني والأعصاب الحسية المحيطة بالعين قبل إجراء العمليات العينية بالتخدير الموضعي .
وأما إدخال الإبرة بحد ذاته وأخذ الخُزْعة ، أو عينات من السوائل فلا يفطر بالاتفاق ، وأما حقن المواد ففيه اختلاف سنبينه لاحقاً .
10- تنظير المستقيم : له حكم المس الشرجي .
11 - تنظير المهبل : له حكم المس المهبلي .
12 - تنظير القصبات :
لا يُفَطِّر عند الجمهور باستثناء الشافعية . فالمنظار يدخل جافاً عبر الرغامى ولا يصل بشكل من الأشكال إلى الجهاز الهضمي .ولا يفطر أخذ خزعة من القصبات إلا إن اختلط بنزف ودخل الدم إلى الجهاز الهضمي .
13 - تنظير المرىء والمعدة :
يُفَطِّر على جميع المذاهب لدخول المنظار إلى المرئ وإلى المعدة . إلاّ عند الحَناطي حيث ذَكَر وجهاً فيمن أدخل طرف خيط إلى جوفه أو دُبـُره وبقي بعضه في الخارج أنه لا يُفَطِّر (10) .
14 - القثطرة القلبية :
لا تُفَطِّر ، لأن القثطار يصل عبر أوعية الدم إلى القلب فلا يدخل جوفاً موصولاً بالمعدة وليس بغذاء كما لا يفطر حقن مادة ظليلة داخل أجواف القلب لأنها ليست بغذاء ولا شبَهِهِ فلا تروي ظمأً ولا تغني من جوع ولذلك لا تخل بحكمة الصوم .

----------------------
6 - يستعمل الطبيب في هذا الفحص منظاراً يتجاوز به اللهاة في حالة تنظير البلعوم الأنفي ويدفعها به إلى الجدار الخلفي للبلعوم الفموي في حالة تنظير الحنجرة .
7 - يتم بإدخال منظار الأذن إلى مجرى الأذن الظاهر لرؤية غشاء الطبل .
8 - يمكن بزل السائل الدماغي الشوكي عن طريق ما بين الفقرات القطنية 4 - 5 . أو عبر القحف والوصول إلى البطينات الدماغية .
9 - يتم بتطبيق جهاز الضغط العيني على سطح القرنية مباشرة بعد تخديرها بقطرة مخدِّرة . وستأتي أحكام مواد المعالجات العينية .
10 - راجع موسوعة المجموع .
__________________
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 5:46 pm

15 - التصوير الشعاعي :
لا يفطر بكل أشكاله باستثناء التصوير الظليل للجهاز الهضمي بسبب إعطاء مادة محلولة بالماء تدخل عن طريق المرئ فالمعدة فالأمعاء ... وأما تصوير أجواف الدماغ بعد حقن المواد الظليلة ضمن البطينات فلا يفطر على مذهب الإمام مالك ، ويفطر على باقي المذاهب لوصول المادة إلى جوف الدماغ . وأما تصوير الشريان السباتي فلا يفطر ، لأن مادته تحقن في الوريد وليس في تجويف الدماغ . وأما تصوير الرحم والملحقات فلا يفطر عند الجمهور ، ويفطر عند الشافعية لوصول المادة الظليلة إلى تجويف البطن .
16 - أخذ الخزعات :
أخذ الخزعات من أي جهاز أو نسيج في الجسم لا يفسد الصوم ، باستثناء خزعات
الجهاز الهضمي وخصوصاً خزعة المعدة والمستقيم حيث يدخل خرطوم جهاز التنظير إليهما فيأخذ حكم تنظير هذا الجهاز ، بالإضافة إلى احتمال حدوث النزف وغير ذلك من الاختلاطات ..
17 - مداخلات الجهاز البولي عبر الإحليل :
كتنظير وتصوير الجهاز البولي بالطريق الراجع ، وأخذ الخزعات ،وكل ذلك لا يفطر عند الجمهور ويفطر عند الشافعية (وفي وجه عندهم أنها لا تفطر لأن المثانة لا تتصل بالمعدة ، وهي مقر إخراج البول الراشح فلا رجعة لما يستـقر فيها ).
وكذلك حكم القثطرة البولية حيث يُدخَل خرطوم عبر الإحليل إلى المثانة لإخراج البول المحتبس عند المصاب بعائق يحول دون خروجه ( كضخامات البروستاتة وأورامها ) أو بقصد النظافة عند المصابين بسلس البول نتيجة الإصابات العصبية الوعائية الدماغية وغير ذلك ..
18 - نفخ الغاز في البطن : لا يفطر عند المالكية لأن المحقون هواء ( ليس بطعام ولا شراب ) ، فيشبه ابتلاع الهوا ء . ويفطر عند الشافعية بدخول الإبرة إلى الجوف ، فله حكم دخول جسم أجنبي إلى جائفة .
19 - بزل الحبن والانصباب الجنبي :
جميع أنماط البزل بقصد استخراج السوائل من باطن الأجواف لا تفطر ، إلا عند الشافعية ويكون الإفطار بسبب دخول الإبرة إلى الجوف . وأما بزل الكيسات والسوائل في غير الأجواف فلا يفطر وفق جميع المذاهب .
20- تصوير الأوردة الظليل :
لا يفطر لأنه يأخذ حكم حقن المواد غير المغذية ، وكذلك حكم حقن المواد المشعة في الوريد لتصوير الغدد ( كالغدة الدرقية ) .
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 5:50 pm

أحكام المعالجات الطبية في رمضان

للمداواة في الوقت الحاضر طرق وأشكال متعددة :

1- معالجة باستخدام الأدوية : ولها طرق دخول متعددة ..
أ- عن طريق الفم .
ب - عن طريق الشرج .
ج - عن طريق الفتحات غير الهضمية كالأذن والعين والإحليل والمهبل ...
د - عن طريق الجلد سواء للمعالجة الجلدية الموضعية أو للمعالجة الداخلية ..
هـ - عن طريق ما تحت الجلد : باستخدام الحقن تحت الجلد .
و - عن طريق الحقن العضلي .
ز -عن طريق الدم عبر الأوعية الدموية بالحقن الوريدي أو الشرياني .
ح - طرق أخرى تتعلق بكل جهاز على حدة ، وبحسب المرض الذي تَوَضَّع فيه .

وللأدوية نماذج مختلفة ، منها الشراب السائل ومنها المحاليل السائلة كالمطهرات ..ومنها الأدوية الصلبة كالحبوب الملبسة أو ذات المحافظ ( الكبسولات ) أو المضغوطة .. ومنها الحقن المجهزة للإعطاء تحت الجلد أو العضل أو الوريد ، ومنها التحاميل الشرجية أو المهبلية ..
وينتقي الطبيب عادة أفضل الأشكال الدوائية والطرق المناسبة لإعطائها بحسب المرض والمريض .

2 - المعالجة الجراحية :وهي إما جراحة صغرى (تخديرها موضعي ) ، أو جراحة كبرى ( تخديرها عام أو قَطَني .. )

3- التدابير الملحقة بالمعالجة الدوائية والجراحية : كوضع الأنابيب المفجرة في جوف البطن أو الجنب أو داخل الخراجات ، أو تنبيب المعدة عن طريق الفم أو الأنف . وحقن الأدوية مباشرة داخل جوف البطن أو الخراجات ..

4 - المعالجة الشعاعية : بالأشعة السينية أو اللايزرية ( معالجة من الخارج ) أو استخدام المواد المشعة بحقنها وريدياً أو زرعها في المناطق المصابة بوساطة أبر مشعة

وسنبحث فيما يلي أحكام استعمال هذه الطرق من المعالجة أثناء شهر رمضان :

(يتبع)
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 5:54 pm

حكم المعالجة الدوائية عن طريق الفم :

إن طريق الفم هو أكثر الطرق استخداماً في المعالجة الدوائية ، وإنَّ استخدام هذا الطريق في نهار رمضان مفسد للصوم بلا خلاف . لأنه يخل بحكمة الصوم ، إذ يحتاج إلى تناول السوائل الكثيرة ، كما أن بعض الأدوية تحتوي على السكريات ( كشراب السعال ) ، وإن مجرد دخول الدواء مهما كان شكله يعني وصول مادة ما إلى المعدة عبر البلعوم فالمرئ .. وحتى لو لم تكن المادة غذائية فإنها قد تسبب الشعور بالشبع أو تطفئ الظمأ بسبب تناولها أو تناول السوائل معها . ويتم الإفطار بالدواء بمجرد وصوله إلى المرئ عبر البلعوم .( سواء عن طريق الفم أو الأنف ) .

وتبقى هناك أشكال دوائية يسأل عنها المرضى دائماً فلا بد من إيضاح حكمها في هذا الموضع :

1 - حكم الأبخرة والإرذاذات والمساحيق عن طريق التنفس :
تجهز عادةً هذه الأدوية لمرضى الربو على شكل بخَّاخات تُطْلِق أبخرة أو رذاذاً سائلاً يدخل إلى الجهاز التنفسي . ومنها مساحيق تستعمل كنشوقٍ فتمتص عن طريق غشاء الأنف .فأما ما كان جرمه لا يتجاوز اللهاة فلا يفطر ، فإن تجاوزه فهو مفطر . وأما الأبخرة الغازية فلا تفطر .

2 - حكم استعمال اللسينات :
ويقصد بها الأدوية التي توضع تحت اللسان لتذوب تلقائياً ، وتستعمل لمرضى القلب والربو . ولها حكم المعالجات الموضعية التي يطبقها أطباء الأسنان ، فحيث أنها لا تدخل إلى البلعوم والمعدة فلا تفطر(11) .

3 - حكم المعالجات السنية واستخدام التوربين :
يجب تطبيق هذه المعالجات بحذر كبير في نهار رمضان لما فيها من احتمال كبير لدخول الماء إلى البلعوم ، ولو بشكل إرذاذ قد لا يشعر به المريض .بالإضافة إلى إمكان دخول قطع سنية صغيرة إلى البلعوم أثناء تجريف السن أو تنظيفه .
وأما المعالجات الموضعية بالأدوية المطهرة وغيرها بوساطة قطنة على اللثة فلا بأس بها شرط مج اللعاب الذي يحتويها خارج الفم حتى يزول طعمها نهائياً . وكذلك حكم الحقن المخدرة تحت اللثة فلا تفطر .

من أجل ذلك كله ننصح المرضى والأطباء أن يؤَقِّـتـوا معالجة الأسنان بعد الإفطار ( في الظروف العادية). بينما تعالج الحالات الإسعافية فوراً ولو في نهار رمضان للضرورة فإن أفطر المريض بسبب دخول مادة ما أثناء المعالجة إلى البلعوم فعليه القضاء ( وهو معذور فلا فدية ولا كفارة ).

ملاحظة :من خلال تجربتي الخاصة في معالجة المرضى في رمضان يمكن تقسيم الجرعات الدوائية إلى ثلاث جرعات ليلية ( عند الإفطار ووسط الليل وعند السحور قبيل الفجر ) واختيار الحقن عن غير طريق الفم للجرعات النهارية إذا كانت ضرورية (شرط ألا تحتوي على مواد مغذية ) .

--------
11- تمتص المواد الفعالة في هذه الأدوية عبر الأوردة اللسانية .ويجب أن يمج المريض ما يتراكم بسببها من لعاب وما يحتويه منها لكي لا تنفذ إلى البلعوم
.

(يتبع)
__________________
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 6:01 pm

حكم تركيب أنبوب المعدة :

يحتاج بعض المرضى إلى تركيب أنبوب مطاطي عبر الفم أو الأنف ليصل إلى المعدة عبر المرئ لتتم المداواة والتغذية عن طريقه .
فما حكم وضع الأنبوب بهذه الصورة دون تحريكه ؟
لقد طرح الإمام النووي مسألة مشابهة في كتاب " المجموع " وهي مسألة ابتلاع خيط بحيث يبقى قسم منه ظاهراً خارج الفم والآخر يدخل إلى المرئ فجاء النص :
إذا ابتلع طرف خيط وطرفه الآخر بارزٌ أفطر بوصول الطرف الواصل ، ولا يعتبر الانفصال من الظاهر . وحكى الحناطي وجهاً فيمن أدخل طرف الخيط جوفَه أو دبرَه وبعضه خارج أنه لا يفطر والمشهور الأول وبه قطع جمهور الأصحاب .
ولو ابتلع طرف خيط في الليل وطرفه الآخر خارج فأصبح كذلك : إن تركه بحاله لا تصح صلاته لأنه حامل لطرفه البارز وهو متصل بنجاسة ، فإن نزعه أو ابتلعه بطل صومه وصحت صلاته (إذا غسل فمه بعد النزع ) . قال أصحابنا : فينبغي أن يبادر غيرُه إلى نزعه وهو غافل ،فينزعه بغير رضاه ، فإن لم يتفق ذلك فوجهان : أصحهما : يحافظ على الصلاة فينزعه أو يبلعه .
الثاني : يتركه على حاله محافظةً على الصوم ، ويصلي كذلك . ويجب إعادة الصلاة لأنه عذر نادر . انتهى .
إن ما ذهب إليه الحناطي يناسب الأطباء والمرضى ، فيكون استخدام منظار المعدة أو تركيب أنبوب المعدة الثابت لا يفطر المريض . وأما مسألة بطلان الصلاة فلأن الشافعية يعتقدون بنجاسة مفرزات المعدة .بينما ثبت علمياً طهارة هذه المفرزات ، وأعتقد شخصياً بصحة صلاة حامل أنبوب المعدة لأنه لا يحمل نجاسة .
وللخروج من خلاف يفضل تركيب أنبوب المعدة بعد الإفطار وتثبيته جيداً .

أحكام المعالجات العينية :
تقاس أحكام المعالجات العينية على أحاديث الاكتحال ، والمبادئ العامة لمفسدات الصوم . وهي إما معالجات دوائية أو جراحية . فأما المعالجات الدوائية فتكون إما على شكل قطرات أو مراهم عينية .وهي لا تفسد الصوم عند الحنفية والشافعية ( سواء وجد طعمها في حلقه أم لم يجده ) و تفسده إذا وجد طعمها في حلقه عند المالكية والحنابلة . والواقع إنَّ الفريقين قد احتجا بأحاديث ضعيفة ، حيث لم يثبت يقيناً شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب .

في كتاب المجموع ذكر الإمام النووي شيئاً حول مذاهب العلماء في الاكتحال فقال :
" ذكرنا أنه جائز عندنا ، ولا يكره ولا يفطر به سواء وجد طعمه في حلقه أم لا ، وحكاه ابن المنذر عن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور ، وحكاه غيره عن ابن عمر وأنس وابن أبي أوفى الصحابيين رضي الله عنهم ، وبه قال داود . وحكى ابن المنذر عن سليمان التيمي ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة وابن أبي ليلى أنهم قالوا : يبطل به صومه . وقال قتادة : يجوز بالإثمد ويكره بالصبر . وقال الثوري واسحق : يكره . وقال مالك وأحمد : يكره ، وإن وصل إلى الحلق أفطر .

وا حتج للمانعين بحديث معبد بن هوذة الصحابي رضي الله عنه عن النبي أنه أمر بالإثمد الـمُرَوَّح عند النوم ، وقال ليتَّـقه الصائم (12). واحتج أصحابنا بأحاديث ضعيفة نذكرها لئلا يُغترَّ بها منها :حديث عائشة قالت : " اكتحل النبي  وهو صائم " رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف من رواية بَـقِيَّـه عن سعيد بن أبي سعيد الربيدي شيخ بقيـه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة . قال البيهقي : وسعيد الربيدي هذا من مجاهيل شيوخ بقيـه ، ينفرد بما لا يتابع عليه .
( قلت ) وقد اتفق الحُفَّاظ على أن رواية بقيه عن المجهولين مردودة ، واختلفوا في روايته عن المعروفين ، فلا يُحتج بحديثه هذا بلا خلاف .
وعن أنس قال : جاء رجل إلى النبي  فقال : اشتكيت عيني ، أفأكتحل وأنا صائم ؟ قال : نعم " . ( رواه الترمذي وقال : ليس إسناده بالقوي ، قال : ولا يصح عن النبي  في هذا الباب شيء . وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :
" خرج علينا رسول الله  وعيناه مملوءتان من الكحل ، وذلك في رمضان وهو صائم . " ( في إسناده من اختُلِف في توثيقه ) .وعن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أنَّ النبي  كان يكتحل بالإثمد وهو صائم . " ( رواه البيهقي وضَعَّفـَه لأنَّ رواية محمد هذا ضعيفة ) .
قال البيهقي : وروي عن أنس مرفوعاً بإسناد ضعيف جداً أنه لا بأس به ، واحتجوا بالأثر المذكور عن أنس ، وقد بيَّـنا إسناده . وفي سنن أبي داود عن الأعمش قال : " ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم . والمعتمد في المسألة ما ذكره المصنف . ( انتهى ، من كتاب المجموع ج6 ص 388 ) .

وبالنظر إلى الواقع التشريحي الذي يثبت وجود قناة تنقل مفرزات العين السائلة إلى باطن الأنف فإن القطرات العينية تصل إلى البلعوم ويمكن الشعور بطعمها بينما لا تصل في غالب الأحيان المواد اللزجة الكثيفة الموجودة في المراهم العينية ، وهذا يعني أن هناك تفاوتاً في حكم المعالجات العينية فما يصل منها إلى البلعوم فهو مفطر ، وما لا يصل فلا . ولذلك ننصح الزملاء المتخصصين بالأمراض العينية أن يصفوا المراهم العينية بدل القطرات في شهر رمضان إذا كان استعمالها ضرورياً ويمكن تطبيق القطرات ليلاً .وذلك للخروج من خلاف ، وإن كان لابد من المعالجة للضرورة فيمكن تقليد المذهب الشافعي طالما أن ذلك في مصلحة المريض ، والله سبحانه وتعالى يقول : { ما جعل عليكم في الدين من حرج } . صدق الله العظيم

-------------
(12)- رواه أبو داود وقال : قال لي يحيى بن معين هو حديث منكر
__________________
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 6:09 pm

أحكام المعالجات الأذنية :

لقد اعتبر جمهور فقهاء الشافعية الأذن جوفاً مفتوحاً على الدماغ ، ولذلك نجد في عباراتهم اشتراط تغذي الدماغ بقطرة الأذن لتكون مفطرة . والحقيقة إن الأذن لا منفذ لها إلى الدماغ مباشرة كطريق تغذية مباشرة ، فالمجرى الظاهر الذي تصب فيه القطرات مسدود طبيعياً في نهايته بغشاء الطبل الذي يفصله عن الأذن الوسطى ، ولا يمكن أن تصل القطرات إلى الدماغ أو البلعوم إلا إذا كان هذا الغشاء مثقوباً فتصل القطرات إلى البلعوم الأنفي عن طريق مجرى نفير أوستاش ( وهذه حالة مرضية لا يقاس عليها عادة ) وبالرجوع إلى المصادر التشريحية يتضح بطلان العلة التي اتخذها جمهور فقهاء الشافعية في اعتبار قطرة الأذن مُفطرة (13).
وبذلك نرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنابلة والحنفية والمالكية وقلة من الشافعية إلى أن قطرات الأذن وإدخال أدوات التنظيف فيها لا يفسد الصوم .
وإن جمهور أطباء الأذن المتخصصين لا يَصِفون قطرات الأذن عادة في حال وجود انثقاب غشاء الطبل ، ويأخذ غسل الأذن حكم القطرات والتنظيف .

قطرات الأنف - السعوط :
إذا وصلت المواد التي تدخل الأنف إلى البلعوم فإنها تفسد الصوم عند الجمهور كالشافعي وأبي حنيفة ومالك واسحق وأبي ثور والأوزاعي والثوري .. بينما ذهب داود إلى أنها لا تفسده .
جاء في المجموع : وأما السعوط فإن وصل إلى الدماغ أفطر بلا خلاف.قال أصحابنا:
وما جاوز الخيشوم في الاستعاط فقد حصل في حد الباطن وحصل به الفطر . وداخل الفم والأنف إلى منتهى الغلصمة والخيشوم له حكم الظاهر في بعض الأشياء حتى لو أخرج منه القيء ( فعاد ) أو ابتلع منه نخامة أفطر .

المعالجة الدوائية عن طريق الشرج :
ويمكن أن تكون هذه المعالجة بأحد الأشكال التالية : تحاميل ، مراهم ، حقن شرجية سائلة كغسول أو مغذيات كالسيرومات ... وإن استعمال هذه الطريق في نهار رمضان مفطر عند الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ، وأما المالكية فلهم وجهان أحدهما كالجمهور والآخر أنه لا يفطر إلاّ بالوصول للمعدة . وللحقنة الشرجية عند مالك وجه أنها لا تفطر .

المعالجة عن طريق المهبل :
وتستخدم عن هذا الطريق أيضاً الغسول والتحاميل والمراهم والأجسام المشعة ...
وهي مفطرة عند الجمهور باستثناء المالكية فهي عندهم لا تُفَطِّر وقد عللوا ذلك بأن هذه الطريق لا تصل إلى المعدة (14).

المعالجة عن طريق الإحليل :
وتستخدم في معالجة الطرق البولية وخصوصاً الإحليل فتطبق فيه المراهم أو الغسول أو تُمَرر عبره القثطرة البولية لتفريغ المثانة من البول المحتبس . وإن جميع هذه المعالجات والإجراءات لا تفطر عند الجمهور وأما الشافعية فلهم فيها ثلاثة وجوه أصحها أنها تفطر(15) .

-----------
13 -يقول الإمام النووي في شرح المهذب للشيرازي ( كتاب المجموع ) : لو قطر في أذنه ماء أو دهناً أو غيرهما فوصل إلى الدماغ فوجهان أصحهما يفطر وبه قطع المصنف والجمهور ، والثاني لا يفطر ، قال أبو علي السنجي والقاضي حسين الفوراني وصححه الغزالي كالاكتحال ، وادعوا أنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ ,إنَّما يصله بالمسام كالكحل .كما لو دهن بطنه فإن المسام تتشربه ولا يفطر بخلاف الأنف فإن السعوط يصل منه إلى الدماغ في منفذ مفتوح ." أ . هـ . ولقد ذهبوا إلى اعتبار إدخال عودٍ في مجرى الأذن مفسداً للصوم ، وهذا يجعل حرجاً على الطبيب الذي يدخل شعبتي سماعته في أذنه فيفسد صومه حسب هذا الاعتبار .
14 - إن تعليلهم هذا منطقي يؤيده التشريح . والمعالجة هنا تشبه المعالجات الجلدية .
15 - ذكر الإمام النووي في كتاب المجموع ثلاثة وجوه للشافعية في هذه المسألة فقال : وأما إذا قطر في إحليله شيئاً ولم يصل إلى المثانة أو زرق فيه ميلاً ففيه ثلاثة وجوه أصحها أنه يفطر وبه قطع الأكثرون ، والثاني لا يفطر والثالث : إن جاوز الحشفة أفطر وإلاّ فلا .
__________________
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 6:18 pm

المعالجات الجلدية :

إن جميع أشكال المعالجات الجلدية لا تفسد الصوم رغم ثبوت امتصاص المواد المطبقة على الجلد ووصولها إلى الدم . وهذا الحكم مجمع عليه في سائر المذاهب . وقد ذكر الإمام أحمد أن المرأة لو خضبت قدميها بالحناء وشعرت بطعم الحناء في حلقها لم تفطر
وكذلك لو كان الجلد مجروحاً والجرح نافذ إلى العضلات فإن مداواته لا تفطر ، وأما إذا كان الجرح نافذاً إلى جوف البطن فإن في مداواته خلافاً ، فهو لا يفسد الصوم عند المالكية بينما يفسده عند الشافعية .

المعالجة بالحقن العضلية والوريدية وتحت الجلد :

إن إيصال الدواء إلى باطن الجسم عبر الجلد هو من أهم التطورات الطبية التي أصبحت مألوفة في حياتنا اليومية كحقن المواد الدوائية في العضلات أو الأوردة والشرايين وحتى في المفاصل وجوف القلب .. ولم تكن هذه الطرق من المداواة معروفة في عصر الفقهاء ، ولما كانت الأدوية مختلفة التركيب والاستطباب ( فمنها المغذي ومنها القاتل للجراثيم والخافض للضغط .. ) أصبح لابد من الاجتهاد لبيان حكمها إذا طبقت في نهار رمضان .
لقد ذهب الفقهاء المتأخرون في ذلك مذهبين :
1 - مذهب الأحناف أنها لا تفطر مهما كان نوع المادة المحقونة في العضلات أو الوريد أو تحت الجلد ( حتى لو كانت مواد مغذية ) .
2 - مذهب المتشددين ، منعوها نهائياً وقالوا بأنها تفطر لأنها تحتوي على الغذاء أو ما في معناه وهو الدواء . وإليك ما نقله الشيخ محمد نجيب المطيعي في كتاب المجموع ج 6 ص 345 :
نشرت لنا مجلة الاعتصام السائرة على مبادئ الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة عدد رمضان سنة 1390 ما يأتي رداً على مبتدعة القول بعدم إفطار متعاطي الحقن العضلية والوريدية حتى لقد ذهبوا إلى حقن التغذية . والرد على من قال الحقنة لا تفطر :
إنَّ الطعام يلتقم عن طريق الفم بالمضغ إلى مرحلة الهضم الأولى بخلطه بعصارة الفم (اللعاب) ليسهل بلعه وازدراده ، ثم يصل إلى المعدة عن طريق المرئ بما يحدثه من حركة القبض والبسط ، وبعد ذلك يحدث هضم شبه كلي ، ثم ينزل إلى الإثني عشر فتفرز الكبد صفراءها لإتمام عملية الهضم النهائي لأن بعض المواد الغذائية كالدهنيات والبروتينات لا يتم هضمها نهائيا إلا في الإثني عشر .
ثم يحدث امتصاص في الأمعاء الدقيقة ، وهذه الأمعاء تنتشر حولها الأوردة المستقبلة للأشياء التي تم هضمها فيصل إلى الوريد السفلي الحامل للدم إلى الكبد ،
وفي الكبد تتم عملية تنقية من المواد السامة والفاسدة ، ثم يندفع حتى يصل إلى القلب ليدفع به إلى الرئتين ليرجع إلى القلب مرة أخرى حاملاً معه الأوكسجين ليتخلص الدم من ثاني أكسيد الكربون ،
هذا هو الطعام ، فإذا ثبت هذا فإن حقنة الغلوكوز والفيتامين أو غيرهما التي تعطى في الوريد أو العضل على اختلاف في السرعة بين الطريقين تصل مع الدم المراد تنقيته إلى القلب لكي يدفعه القلب إلى الرئتين فينقى من ثاني أكسيد الكربون باستبداله بالأوكسجين الناجم عن عملية التنفس الذي لا محيص عنه ،
ثم يرجع الدم مرة أخرى إلى القلب لكي يعاود توزيعه إلى جميع أجزاء الجسم لإمداده بالطاقة أو القوة وتكوين الخلايا وتجددها كما يفعل الطعام سواء بسواء .
ويمكن للإنسان إذا تكاملت في الحقن عناصر كافية من السكريات والبروتينات أن يعيش مستغنياً بذلك عن الطعام . بل إنَّ المرء إذا مكث أياماً لا يأكل فَقَدَ شهوته إلى الطعام كما يعرف ذلك المجربون ، وكاتب هذا واحد منهم . وعلى هذا تكون الحقنة العضلية والجلدية والعرقية سواء كانت للتداوي أو للتقوية مفطرة للصائم مفسدة للصوم لأنها تؤدي وظيفة الطعام وتؤدي وظيفة الاستدواء من الفم بل هي أبلغ وأسرع وأكثر تأثيراً في دفع المرض والهزال الناجم عن الجوع وما إلى ذلك من فوائد الطعام والدواء ، حتى المعدة نفسها تتجدد خلاياها وتشفى أمراضها .

ثم يعقب الشيخ المطيعي بقوله : وقد قصدنا من سَوْق هذا الحكم أن نوضح حكم الحقنة العرقية أو العضلية أو الجلدية ، وإن كان محلها حكم الجائفة فإنَّ الإبرة المثقوبة ذات المجرى التي يساق الدواء منها إلى العرق أو العضل إنما تُحدث جائفة بقدرها وتوصل الغذاء والدواء إلى سائر البدن حتى المعدة . انتهى .

فإذا تأملنا ما ذهب إليه الفريقان وجدنا فيه تطرفاً إلى حد ما :
أمَّا مذهب الفريق الأول فقد اعتمد على القاعدة الفقهية كل ما لم يرد فيه نص فأصله الإباحة . وفي ذلك تيسير كبير على المرضى لكنه يفتح باباً عريضاً لغير المرضى ويبطل حكمة الصوم في بعض جوانبه (كاستخدام السوائل المغذية عن طريق الوريد) .
وأما الفريق الثاني فقد تشدد كثيراً بلا دليل شرعي ولا علمي سوى أنه شَبَّه الفائدة من الحقن الغذائية بتناول الغذاء عن طريق الفم بينما تختلف المداواة عن طريق العضل أو الوريد اختلافاً جذرياً عن تناول الطعام والشراب عبر الفم .

فإعطاء دواء صاد للجراثيم مثلاً عن طريق العضل لا يزيل الجوع أو العطش على خلاف إعطاء السيرومات المغذية أو تناول الغذاء عن طريق الفم التي تبطل حكمة الصوم . كما إنَّ إعطاء الأدوية عن غير طريق الفم لا يسمى طعاماً أو شراباً وهو المنهي عنه في نهار شهر رمضان .

ومن جهة أخرى فإن مداواة المرضى عن غير طريق الفم جائزة في رمضان حتى عند الشافعية فهم يبيحون الحجامة في نهار رمضان رغم أنها تستعمل للمعالجة . كما إنَّ هناك اتفاقاً شرعياً لا مخالف له (حتى عند الشافعية ) ، وهو أن كل ما يتسرب عن طريق مسام الجلد غير مفطر، فتصح المداواة بالحناء ولو أحس المريض بطعمها في فمه (16).

وليس هناك من يقول بأن اللصاقات المزيلة للآلام ( التي تطبق على الظهر مثلاً ) تفسد الصوم ، وهناك كثير من الأدوية متوفرة الآن وهي تطبق على الجلد لإزالة الآلام القلبية (17) ومعالجة الروماتيزم (18) ، يمكن معايرة مستقلباتها في البول ، ولا يقال بأنها تفطر .
والمضمضة أثناء الوضوء جائزة في نهار رمضان شرط عدم المبالغة فيها ، وقد أصبح معروفاً بأن الماء يمتص عن طريق الأغشية المخاطية في الفم وكثيراً ما يزيل الشعور بالعطش ، ولم يقل أحد من الفقهاء بأن المضمضة تفطر .

وهناك أدوية قلبية توضع تحت اللسان يمكنها الارتشاح إلى الأوردة تحت اللسان وتؤدي فائدتها الدوائية دون أن تدخل إلى البلعوم فإذا مجها المريض بعد ذوبانها تحت اللسان فإنها لا تفطره . كمن يستاك ثم يـمج آثار الـمسواك .

وهناك أدوية تمتص عن طريق الجلد وتصل إلى الدم ثم تطرح عن طريق البول تماماً كالأدوية التي تعطى عن طريق العضل أو الوريد كبعض مضادات الروماتيزم ( نظير الرثية ) وموسعات الأوعية الدموية القلبية التي تستعمل كمراهم أو لصاقات على الجلد ، وكذلك حال مراهم الكورتيزون التي تطبق على الجلد وتعاير مستقلباتها في البول خلال 24 ساعة من تطبيقها .

فهل قال أحد من الفقهاء بأن تطبيق الأدوية الجلدية مفطر ؟ فإذا كان الجواب : لا . فإنَّ إعطاء الأدوية عن طريق الجلد أو العضل أو الوريد لا يمكن أن يكون مفطراً ، إلاّ إذا أدى إلى إلغاء حكمة الصوم كأن تكون أغذية فيكون الامتناع عنها أولى خروجاً من خلاف .
كما إنَّ اعتبار الشيخ المطيعي حدوث جائفة بوساطة الإبرة ، فإنما هو اعتبار خاطئ لأن السائل المحقون لن يدخل إلى جائفة بل إلى السائل الخلالي الخلوي أو ضمن العرق الدموي الممتلئ بالدم . فالإبرة تحدث فتحة صغيرة في الجلد أوسع قليلاً من إحدى مسامه ويتم الحقن إما تحت الجلد أو في صميم النسيج العضلي ولا توجد جائفة في هاتين المنطقتين .

وهناك ناحية مهمة بخصوص الجائفة التي تسبب الإفطار ، ألا وهي انفتاح الجائفة على الجهاز الهضمي بحيث يؤدي وجود الطعام فيها إلى وصوله للجهاز المذكور فيلغي حكمة الصوم . وأما الجائفة المعزولة ( كالجيوب الجلدية ) فلا تعتبر مفطرة ، إذ لا علاقة لها بالجهاز الهضمي أو متعلقاته، والصيام أمر يتعلق بهذا الجهاز خصوصاً ، والجهاز التناسلي ( بقصد النكاح ) ولا اعتبار لأي مادة تصل إلى الأجهزة الأخرى .

والخلاصة :
يتوقف حكم الحقن الجلدية أو العضلية أو الوريدية على طبيعة المادة المحقونة والقصد من حقنها ( النية ) . فإن كانت مادة غذائية وبنية تخفيف الجوع أو العطش فإنها مفطرة ، وإلاّ فلا . (19)

ملاحظة : يمكن للطبيب خروجاً من خلاف أن يوزع جرعات المعالجة قدر الإمكان خلال فترة الليل وعلى ثلاث جرعات (عند الإفطار ، وعند النوم ، وفي السحر) وتنحصر المعالجة نهاراً في حالات الاضطرار ، ويختار الطبيب الطريق الأنسب للمريض وحالته المرضية .

---------
16 - تطبق الحناء على الركبة مثلاً كمعالجة لآلامها ، وهي تمتص عن طريق الجلد ، وقد قال الإمام أحمد أنها لا تفطر ولو شعر المريض بطعمها في فمه .
17 -كبعض المراهم واللصاقات التي تحتوي على مادة النترات الموسعة للأوعية القلبية .
18 - كبعض المراهم الحاوية على المسكنات ومضادات الروماتيزم .ويحتوي بعضها على الكورتيزون الذي يمتص عن طريق الجلد وتعاير مستقلباته في البول .
19 - قد تكون هذه الحقن مُعينة للمريض الصائم في الاستفادة من عباداته حيث تدفع المرض فيتحسن وعي المريض ، وبذلك يعي صلاته وقراءته للقرآن فيرتقي روحياً ويرتفع منزلة .
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 6:21 pm

حكم المعالجات الجراحية :

تنقسم المعالجات الجراحية إلى صنفين بحسب الزمن الذي تستغرقه العملية ونوع التخدير وطبيعة العمل الجراحي .

1 - الجراحة الكبرى : وتكون عادة بالتخدير العام ( الذي يزيل الوعي ) ، وتحتاج زمناً طويلاً نسبياً ، وفتح الأوردة بوساطة تعليق السيرومات أو نقل الدم . وإذا لم تكن هذه العمليات إسعافية فإنها تحتاج إلى تحضير مسبق لتحسين حالة المريض العامة من الناحية الجسدية والنفسية .

2- الجراحة الصغرى : وهي جراحة بسيطة تتم بالتخدير الموضعي عادة كخياطة الجروح الجلدية وشق الخراجات ...

حكم العمليات الجراحية الكبرى :
في هذه العمليات يجب إفطار المريض لتحسين حالته العامة ، كما إن فتح الأوردة بالسيرومات مفطر في نهار رمضان . وكثيراً ما يكون الصوم في هذه الحالات محرماً لما فيه من ضرر . والقاعدة الشرعية :" لا ضرر ولا ضرار " تلزم المريض بالإفطار . والله سبحانه وتعالى يقول : { ولا تقتلوا أنفسكم .} وقال أيضاً :{ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .} .
وهناك عدة إجراءات تحتاجها العمليات الجراحية الكبرى ، وهي كلها تُفَطِّر الصائم حتماً منها :
1 - وضع مجرى هوائي مطاطي يدخل عبر البلعوم إلى الرغامى لتأمين مجرى هوائي مفتوح .
2 - فتح وريد بسيروم سكري أو ملحي أو مختلط لضمان الإسعاف اللازم وقت الحاجة ، وكثيراً ما يحتاج المريض إلى نقل الدم . وجميع هذه المواد مفطرة .
3 - إدخال الغازات المخدرة لإزالة الوعي كاملاً ولزمن طويل ( قد يستغرق في بعض العمليات زمن الصوم كله ) [1] .كعمليات القلب المفتوح وتركيب الصمامات القلبية ، وتصنيع العظام ..
ملاحظة : هناك عمليات كبرى تتم بالتخدير الموضعي الناحي أو عبر النخاع الشوكي ، ويكون الإفطار هنا بسبب تعليق السيرومات أو نقل الدم ...

حكم العمليات الجراحية الصغرى :
لا تفطر باتفاق . حتى عند الحنابلة الذين أفسدوا الصوم بالحجامة قالوا من جهة أخرى بأن الفصد والبضع والشرط الجراحي لا يفسد الصوم ولا يقاس على الحجامة .
وهناك إجراءات قد تتطلبها العمليات الصغرى أو الكبرى كوضع الخراطيم المفجرة للقيح أو السوائل النازَّة وهي كلها لا تفسد الصوم وإنَّما تتعلق أحكامها بالصلاة ، فإن كانت المفجرات مفتوحة بحيث يتجمع السائل النجس في إناء مفتوح فتأخذ حكم المعذور بسلس البول ، (يتوضأ لكل صلاة أو يتيمم إن كان الوضوء غير ممكن ) وعلى شرط أن تـُفْـصَلَ الآنية الجامعة للقيح والدم والسوائل عن المريض لكي لا يعتبر حاملاً للنجاسة أثناء الصلاة . وأما إن كانت متصلة بأوعية محكمة الإغلاق فإنها لا تحتاج إلى الفصل وتقاس على حامل الهرة .

--------------
[1] - هناك خلاف بين الفقهاء كما علمنا حول زوال الوعي واعتباره مفطراً .
صورة

مشاركات: 11469
اشترك في: الخميس إبريل 04, 2013 10:28 pm

Re: وصوم رمضان

مشاركةبواسطة دكتور كمال سيد » الجمعة أغسطس 15, 2014 6:24 pm

خلاصة أحكام الصيام :

عند مراجعة أحكام الصيام نلاحظ وجود اتفاق بين الفقهاء في بعض الأحكام واختلافاً بينهم في البعض الآخر سأبينها فيما يلي :

المتفق عليه حول مفسدات الصوم :

1- تناول الطعام والشراب ( المألوف وغير المألوف ) عن طريق الفم أو الأنف في نهار رمضان عمداً بلا عذر في صيام صحيح .
2 - الجماع عمداً في نهار رمضان بلا عذر في صيام صحيح . وأقل قدر لوقوع الجماع هو إيلاج الحشفة أو بمقدارها في الفرج ( المهبل) .
3 - القيء عمداً ( الاستقاءة ) (21) .
4 - وصول السوائل أو الأطعمة إلى المعدة ولو بغير طريق الفم ، وكذلك وصولها إلى الدماغ مباشرة أو عن طريق الدم ( كحقن السيرومات في البطينات الدماغية أو الأوردة الدموية ..

المتفق عليه بـأَنَّه لا يفسد الصوم :

1 - الفصادة والجرح والشرط في غير الحجامة . ( العمليات الصغرى بالتخدير الموضعي ) .
2 - الطعن في غير الأجواف .
3 - القيء لعلة مرضية أو دوائية . إلاّ إن ابتلع شيئاً من المواد المقاءة بعد وصولها إلى الفم .
4 - الرعاف ( إلاّ أن يدخل الدم إلى البلعوم فيفسد الصوم ) .
5 - كل ما وصل إلى الفم ولم يتجاوزه إلى البلعوم .
6 - الاستياك .
7 - استنشاق كل ما لا يمكن الاحتراز عنه في الهواء ( كالغبار ) .
8 - النوم .
9 - ما يصل إلى المعدة من معدنه كاللعاب ونزوف المرئ ( شرط عدم إمكان إخراجه ) .
10 - الإمذاء أو الإمناء بلا قصد ولا تفكر .
11 - المداواة الجلدية .
12 - مضغ العلك غير المحلّى وعلى ألا يبلع منه شيئاً .

المختلف عليه بين الفقهاء :

أهم الأمور العملية التي اختلف عليها الفقهاء حول مفسدات الصوم :
1 - تناول المواد اللاغذائية كالتراب والمعادن .. ( ذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ هذه الأشياء لا تفسد الصوم لأنها ليست بطعام ولا شراب ولذلك تبقى على أصل الإباحة )(22).
2 - تناول الطعام والشراب ، والنكاح في حالة الخطأ والنسيان والإكراه .
3 - دخول المواد السائلة أو الصلبة إلى الأذن .
4 - الاكتحال وما يشبهه من القطرات العينية أو المراهم التي تطبق في المعالجات العينية .
5 - السعوط والقطرات الأنفية .
6 - دخول الأجسام الأجنبية في الفرج أو الشرج أو الإحليل .
7 - مداواة الجروح النافذة إلى الأجواف .
8 - الحجامة .
9 - التقبيل والإمناء والإمذاء بشهوة سواء بالتفكير أو المباشرة فيما دون الفرج أو بالجس واللمس .
10 - الحقن العضلية أو الأدمية أو تحت الجلد أو الوريدية .
11 - الطعن في الأجواف .
12 - مداواة الدماغ مباشرة .
13 - ابتلاع بواقي الطعام المحشورة بين الأسنان .
14 - تبييت النية من الليل ، ونية الفطر أثناء النهار .
15 - وصول المواد الجامدة إلى المعدة من منفذ سفلي .
16 - الجنون وغياب العقل في نهار رمضان .
وبعد هذا البيان فيما اتفق عليه الفقهاء وما اختلفوا فيه يمكن القول بأنه :
لا يحل لمسلم أن يخرق ما اتفق عليه الفقهاء ، فإن أتى بواحد منها أفطر ووجب عليه القضاء . وعليه الكفارة أيضاً في حالة الجماع عمداً بلا عذر في نهار رمضان ويُعتبر صيامه قبل النكاح صحيحاً بشروطه .
وأما ما اختلف عليه الفقهاء فللمسلم أن يقلد المذهب الذي يجد فيه حل مشكلته عند الضرورة لقوله تعالى : { ما جعل عليكم في الدين من حرج } .

-----------
(21)- يبدو أن سبب الإفطار في هذه الحالة هو إدخال الإصبع إلى البلعوم لدغدغته وتحريض القيء ، وعدم الاكتراث بحرمة الصوم .
(22) - الواقع إن هذه الأشياء تأخذ حيزاً من المعدة وقد تسد جوعاً أو تروي ظمأً .
صورة

السابقالتالي

العودة إلى الموسوعة الاسلامية الكبرى

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار

cron